يُعد شهر رمضان وقتًا للتأمل والانضباط والتجدد الروحي. وللمرضى الذين خضعوا مؤخرًا لجراحة تجميلية، قد يثير الشهر أسئلة عملية مهمة, هل يمكنني الصيام بأمان بعد الإجراء؟ وكيف أتأكد من أن جسدي يتعافى بشكل صحيح خلال ساعات طويلة من دون طعام أو ماء؟

هذه أسئلة أسمعها كل عام من مرضاي هنا في أبوظبي، وهي تستحق إجابات مدروسة. الحقيقة أن التخطيط الجيد قد يساعدك على الحفاظ على الصيام ودعم التعافي في الوقت نفسه. الجراحة تفرض عبئًا كبيرًا على الجسم، وعملية الشفاء تحتاج إلى تغذية وترطيب وراحة بشكل منتظم. يغيّر رمضان توقيت هذه العناصر الثلاثة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يؤثر سلبًا على أيٍّ منها.

إليك أهم توصياتي للتعامل مع التعافي بعد العملية خلال الشهر الفضيل.

الترطيب هو الأولوية الأولى

هذه هي النقطة الأهم على الإطلاق. الجفاف قد يبطئ التئام الجروح، ويزيد لزوجة الدم، ويرفع خطر تكوّن الجلطات، وقد يفاقم التورم بشكل ملحوظ , وكل ذلك غير مرغوب بعد الجراحة. في التعافي المعتاد أوصي بشرب الماء طوال اليوم. خلال رمضان تحتاجين إلى خطة أكثر دقة.

بين الإفطار والسحور، حاولي شرب ما لا يقل عن لترين إلى ثلاثة لترات من الماء. تجنبي شربها دفعة واحدة, فالجسم لا يمتص كمية كبيرة بسرعة. بدلاً من ذلك، احتفظي بزجاجة ماء قريبة وارتشفي بشكل منتظم طوال المساء وحتى وقت السحور. قد يساعد ضبط منبّه بسيط كل ثلاثين دقيقة.

قد يساعد ماء جوز الهند أو مشروبات الإلكتروليت على تعويض المعادن المفقودة خلال النهار، خاصة في أجواء الإمارات حيث الحرارة عامل مؤثر. كما يُعد البطيخ والخيار والشوربات على الإفطار طرقًا ممتازة لزيادة السوائل دون الشعور بالامتلاء الشديد.

نصيحة مهمة: قللي الكافيين قدر الإمكان. أعلم أن القهوة جزء من طقوس رمضان لدى كثيرين، لكن الكافيين مُدرّ للبول وقد يقلل من ترطيب الجسم خلال مرحلة التعافي. إذا رغبتِ في القهوة، اكتفي بكوب واحد، وزيدي كمية الماء لتعويض ذلك.

غذّي جسمك بالبروتين لدعم الشفاء

يحتاج الجسم إلى البروتين لإصلاح الأنسجة، وإنتاج الكولاجين، وإعادة بناء العضلات، ومقاومة العدوى. بعد أي إجراء جراحي تزداد الحاجة إلى البروتين بشكل واضح. خلال رمضان تكون نافذة الطعام أقصر، ما يعني أن كل وجبة يجب أن تكون ذات قيمة غذائية عالية. ليس هذا وقت السعرات الفارغة.

على الإفطار، بعد كسر الصيام بالتمر والماء بالطريقة المعتادة، ركّزي على وجبة متوازنة غنيّة بالبروتين الخالي من الدهون. الدجاج المشوي، السمك، البيض، اللحوم قليلة الدهن، أو البقوليات مثل العدس والحمص يمكن أن تكون أساس الطبق. أضيفي الخضار والدهون الصحية مثل زيت الزيتون أو الأفوكادو أو المكسرات. حاولي تقليل الأطعمة الثقيلة والمقلية , السمبوسة والكبة المقلية والحلويات جزء من تقاليد رمضان، ولا مانع من تناولها باعتدال، لكن لا ينبغي أن تحل محل الأطعمة التي يحتاجها جسمك للتعافي.

في السحور، اعتبريه “وجبة التعافي”. البيض، الزبادي اليوناني، الجبن القريش، أو مخفوق بروتين (واي بروتين) خيارات ممتازة. أضيفي كربوهيدرات معقدة مثل الشوفان أو خبز الحبوب الكاملة أو البطاطا الحلوة للحصول على طاقة ممتدة خلال ساعات الصيام. كما أن إضافة اللوز أو ملعقة من زبدة المكسرات تمنح دهونًا صحية تُبطئ الهضم وتساعد على الشبع لفترة أطول.

قاعدة عامة خلال التعافي: استهدفي ما لا يقل عن 1.5 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم، موزعة بين وجبتي الإفطار والسحور وأي سناكات خفيفة بينهما. إذا كان من الصعب الوصول للكمية من الطعام وحده، قد تساعد مكملات البروتين في سد الفجوة.

جدولة جلسات المساج اللمفاوي بعد الإفطار

إذا أجريتِ نحتًا للجسم أو شفط دهون أو حقن دهون (BBL)، فإن المساج اللمفاوي جزء أساسي من التعافي. يساعد على تقليل التورم، ويمنع تجمع السوائل، ويحسّن الدورة الدموية، وقد يسرّع الشفاء بشكل ملحوظ. خلال رمضان يصبح توقيت هذه الجلسات مهمًا جدًا.

أوصي بحجز جلسات التصريف اللمفاوي في المساء , ويفضل بعد الإفطار، بعد أن تتناولي الطعام وتشربي الماء ويستقر جسمك. يستجيب الجسم بشكل أفضل للمساج اللمفاوي عندما يكون مُرطبًا ومغذّى. أما الجلسة أثناء ساعات الصيام فقد تسبب دوخة أو غثيانًا أو شعورًا بالإغماء، وقد تكون أقل فعالية لأن الدورة الدموية تكون تحت ضغط أكبر.

تقوم معظم العيادات والمعالجين في أبوظبي بتعديل أوقات العمل خلال رمضان، لذلك غالبًا ما تكون المواعيد المسائية متاحة. إذا لم تكوني متأكدة إلى أين تذهبين، اطلبي من فريق الجراح ترشيح معالج مؤهل لديه خبرة في المساج اللمفاوي بعد الجراحة.

استمعي لجسمك — ومن المقبول إيقاف الصيام مؤقتًا

من المهم قول هذا بوضوح: في الإسلام توجد رخصة لترك الصيام لمن كان مريضًا أو في فترة نقاهة. الجراحة حدث جسدي كبير، وبدايات التعافي فترة حساسة. إذا كنتِ في الأيام أو الأسابيع الأولى بعد الإجراء، أو إذا كان الصيام يؤثر فعليًا على التعافي، فتحدثي مع جرّاحك ومع مستشارك الديني. صحتك أولاً، ويمكن قضاء الأيام لاحقًا.

من العلامات التي قد تعني أن الجسم يحتاج دعمًا أكبر مما تسمح به نافذة الصيام: إرهاق شديد لا يتحسن مع الراحة، دوخة مستمرة، زيادة أو تفاقم التورم، تأخر واضح في التئام الجروح، أو أي علامات للعدوى. لا تتجاهلي هذه الإشارات بدافع الإلزام. العناية بالنفس ليست تقصيرًا — بل هي حكمة.

تنظيم الأدوية بعناية

العديد من أدوية ما بعد الجراحة , مثل المضادات الحيوية، ومضادات الالتهاب، ومسكنات الألم، ومميعات الدم, تحتاج إلى تناولها في أوقات محددة أو مع الطعام لضمان فعاليتها وحماية المعدة. يغيّر الصيام الروتين، لكنه لا يعني تخطي الجرعات أو أخذها بشكل غير صحيح.

قبل دخول رمضان، نسّقي مع الجرّاح لإعادة ترتيب جدول الأدوية بين الإفطار والسحور. في أغلب الحالات يمكن تعديل التوقيت دون التأثير على الخطة العلاجية. مثال: المضاد الحيوي مرتين يوميًا يمكن غالبًا تناوله مرة عند الإفطار ومرة عند السحور دون فقدان الفعالية.

إذا كنتِ تتناولين مكملات لدعم التعافي , مثل فيتامين C أو الزنك أو الأرنيكا أو البروميلين لتخفيف الكدمات والتورم , فمن الأفضل أيضًا تناولها مع الوجبات لتحسين الامتصاص. تناولها على معدة فارغة قد يسبب غثيانًا ويقلل الاستفادة منها.

ملابس الضغط والراحة

غالبًا ما يغيّر رمضان نمط الحياة أكثر مما نتوقع. السهرات العائلية، وصلاة التراويح، والتجمعات الاجتماعية، واضطراب النوم كلها أمور شائعة. لمرضى ما بعد الجراحة، تبقى الراحة عنصرًا أساسيًا حتى مع تغير إيقاع اليوم.

استمري في ارتداء مشدّ/ملابس الضغط وفقًا لتعليمات الطبيب — الصيام لا يغيّر ذلك. ملابس الضغط تدعم الأنسجة أثناء الشفاء، وتخفف التورم، وتساعد على تشكيل النتائج. قلة الحركة خلال ساعات الصيام قد تكون في صالحك. استفيدي من هدوء النهار للراحة الخفيفة ورفع المنطقة عند الحاجة، واحتفظي بالنشاط الاجتماعي للمساء بعد الأكل والترطيب عندما تشعرين بقوة أكبر.

إذا أجريتِ جراحة في الجزء السفلي من الجسم — مثل شفط الدهون، أو BBL، أو شد البطن، أو إجراءات الفخذ — انتبهي خلال صلاة التراويح. الوقوف لفترات طويلة، والانحناء العميق، والجلوس على الأرض قد يضغط على مناطق الجراحة. من المقبول الصلاة جلوسًا أو أخذ فترات راحة، وسيشكرك جسمك على ذلك. التعافي سبب معتبر لتعديل المجهود البدني.

الالتزام بمواعيد المتابعة

أخيرًا، لا تجعلي تغيّر جدول رمضان سببًا لتأجيل زيارات المتابعة بعد الجراحة. هذه الزيارات تتيح لنا متابعة التئام الجروح، وتقييم التقدم، وتعديل التوصيات عند الحاجة، واكتشاف أي مشكلة مبكرًا قبل أن تتطور.

نحرص على مراعاة مواعيد رمضان في عيادتنا، لذا أخبرينا بالوقت المناسب وسنرتب الأمر. التعافي لا يتوقف في رمضان، ومتابعة ما بعد الجراحة لا ينبغي أن تتوقف أيضًا.


يمكن لرمضان والتعافي أن يسيرا معًا بشكل ممتاز مع التحضير الصحيح. المفتاح هو التخطيط المسبق , تجهيز الطعام المناسب، وتنظيم الجلسات في التوقيت الأفضل، وضبط الأدوية قبل بداية الشهر، ومنح نفسك مساحة للراحة.

إذا كان لديكِ إجراء قريب أو كنتِ حاليًا في مرحلة التعافي ولديكِ أسئلة حول إدارة العناية خلال الشهر الفضيل، لا تترددي في التواصل معنا. نحن هنا لدعمك خطوة بخطوة.

رمضان كريم!

الدكتور ميجيل برافو | استشاري جراحة التجميل المعتمد | مستشفى اليزيه، أبوظبي